السيد محمد تقي المدرسي

23

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

وقد استقرت الأنظمة في بلادنا على ألّا يأبهوا بالإرادة المنفردة إلّا في موردين : أولًا : إذا كان الوعد مكتوباً وكان لمدة معينة ، ووصل إلى من وعد ولم يرفضه . ثانياً : عندما يكون الوعد موجهاً إلى الجمهور . ولكن عند التأمل فان الالتزام في هذه الموارد ، هو التزام امام طرف آخر . وهذا هو الذي يجعله عهداً ، وشبيهاً بالعقد . فان نظارة الطرف الآخر على هذا الالتزام ، تجعله في مستوى العقد ذي الطرف الآخر . وهكذا تكون الإرادة المنفردة ذات صيغة ملزمة في كل مورد تقع امام طرف ؛ مثل ابراء الذمة ، واسقاط حق الخيار ، وإجازة العقد ، وما أشبه . . وفي الفقه الاسلامي عشرات الموارد التي اعتبرت الإرادة المنفردة ( الالتزام من طرف واحد ) ذات اثر شرعي ؛ مثل الطلاق ( بشرط الشاهد ) والوصية والعتق وما أشبه . . مما يسمى في الفقه بالايقاعات . وفي القوانين الحديثة ايضاً اعتبروا الوصية ، وحيازة المباحات ، والاعراض عن الملكية ، والتوكيل والفسخ وما أشبه من الالتزامات المنفردة . ومن ابرز هذه الالتزامات اليوم ؛ السندات ، حيث إن أحد الافراد ( دولة أو شركة أو شخص ) يتعهد بأن يدفع في مقابل ورقة معينة قيمة محددة . ومن كل هذه الموارد نستنبط صدق العهد على الالتزام من طرف واحد ، شريطة ان يسمو إلى درجة معينة من الشدة . فليس كل تمنِّ أو رضا أو مشيئة يسموا إلى درجة العهد ، انما العهد التزام مشدد « 1 » ، ونعرف شدة الالتزام من وجوه مختلفة : الأول : أن يكون العهد أمام الله سبحانه . فإذا جعل المؤمن ربه كفيلًا عليه ، كان التزامه شديداً . ولذلك فان الاسلام اعتبر اشهاد الله ملزماً . الثاني : ان يكون الالتزام من قبيل اسقاط حق أو اسقاط ملكية أو نقلها مما لا لغو فيها ؛ مثل الابراء والهبة والعتق والسكوت الدال على الرضا مثل عدم الأخذ بالخيار وما أشبه .

--> ( 1 ) بعض فقهاء القانون اشترط في تنفيذ الإرادة شدتها مثلًا " ويند شايد " راجع حقوق تعهدات ( د . عبد المجيد أميري قائم مقامي ) باللغة الفارسية / ج 2 / ص 7 .